حظر لعبة اللودو
الدولة تشدد على الألعاب وتتغاضى عن السلاح المنفلت والفساد والمخدرات.. فما الرسالة التي تصل للمجتمع؟

الاعلام الوطني
في أقل من أسابيع، انتقلت وزارة الاتصالات من قرار منع منصة “Roblox” إلى حجب لعبة “اللودو”، مستخدمةً خطاباً واحداً تقريباً في كلتا الحالتين: حماية الأسرة، صون القيم، والحد من مخاطر الابتزاز والمحتوى المُخلّ بالتقاليد. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025 أعلنت الحكومة حظر منصة Roblox، معتبرةً أنّ طبيعتها التفاعلية تفتح الباب أمام استغلال القاصرين، وأن بعض محتواها لا ينسجم مع “القيم الأخلاقية” كما وصفت الوزارة. وبعد ذلك، جاء قرار حجب اللودو، حيث ربطت الوزارة بين نظام الرهانات داخل اللعبة وبين حالات خلافات أسرية وابتزاز، مؤكدةً أن القرار يستند إلى صلاحياتها وقرارات القضاء الاتحادي.
لكن هذا التشدد في ضبط لعبة رقمية يثير أسئلة أعمق حول أولويات الدولة، في وقت ما تزال فيه ملفات السلاح المنفلت، وشبكات الفساد، وسوق المخدرات، تشكل ضغطاً يومياً على المجتمع من دون مواجهة مماثلة في الحزم أو وضوح الرؤية.
استغراب الحقوقيين: المشكلة ليست في اللعبة بل في إدارة الفضاء الرقمي
من هذا المنظور، يرى الناشط الحقوقي علي الحبيب أن قرار الحجب، بصيغته الحالية، لا يعالج جذور المشكلة، موضحاً أن حماية الطفل رقمياً لا تتحقق عبر المنع، بل عبر تنظيم المحتوى، وبناء الوعي، وتطوير أدوات رقابية وتشريعية متينة. فاللعبة، كما يقول، ليست مصدر الخطر، بل طريقة استخدامها، وغياب الثقافة الرقمية لدى الأطفال وأهاليهم.
ويحذر الحبيب من أن الحجب الكامل قد يدفع المستخدمين، خصوصاً المراهقين، نحو أدوات التفاف مثل VPN، وهو ما يفتح عليهم أبواباً أكبر من المخاطر، ويجعلهم خارج أي رقابة محلية، فضلاً عن أن العراق ما يزال يفتقر إلى تشريعات تفصيلية لحماية القاصرين، وإلى برامج وطنية للتوعية الرقمية، وإلى كوادر مختصة قادرة على ملاحقة الجرائم المعلوماتية المعقدة.
ظاهرة أعمق من لعبة واحدة
إذا تم قراءة الظاهرة بعيداً عن العناوين، يتضح أن Roblox واللودو ليستا سوى مؤشر على خلل واسع في منظومة الحماية الرقمية، حيث يكشف وقوع حالات ابتزاز عبر الألعاب عن غياب تعليم رقمي مبكر، وعن ضعف إدراك الأطفال لمعنى الخصوصية، ومخاطر مشاركة الصور أو البيانات، ونتائج التعامل مع غرباء في فضاء تفاعلي مفتوح.
كما أن غياب سياسة وطنية لحماية الطفل رقمياً، وغياب مواد تعليمية في المدارس، وعدم وجود إرشادات عملية للأهل، يجعل أي قرار حجب يبدو كمعالجة عرضية لا تمس جوهر المشكلة: بيئة رقمية واسعة بلا ضوابط تربوية أو مؤسسية.
حدود الحجب والمخاطر التقنية
من الناحية التقنية، تستطيع الدولة فرض الحجب، لكن خبراء الأمن السيبراني يؤكدون أن المنع الشامل في بيئة مفتوحة مثل الإنترنت يبقى صعب التنفيذ، وأن المستخدمين سرعان ما يلجؤون إلى بدائل، ما يحول الحماية إلى عبء، ويضيف مخاطر جديدة، مثل التعرض لمواقع احتيال، أو تنزيل تطبيقات ضارة، أو فقدان أي رقابة محلية.
والمفارقة أن كثيراً من الدول التي واجهت مشكلات مشابهة انتهت إلى أن الحجب وحده لا يكفي، وأن تنظيم الخصائص، وتشديد الرقابة، ونشر الوعي، والتعاون مع الشركات، هي الأدوات الأكثر فعالية.
إعادة تعريف الحل: إدارة المخاطر لا منع الألعاب
الخروج من الحلقة يتطلب تحولاً في التفكير من “أي لعبة نمنع؟” إلى “كيف ندير المخاطر الرقمية؟”. وذلك عبر مجموعة من المحاور:
-
تشريع واضح لحماية القاصرين في البيئة الرقمية، يحدد مسؤوليات الدولة والشركات والمستخدمين.
-
تعاون رسمي مع الشركات الكبرى لإتاحة أدوات رقابية، وتطوير آليات إبلاغ، وتقييد بعض المميزات الخطرة.
-
إدماج التربية الرقمية في المناهج، لتعريف الطلاب بمخاطر الخصوصية، والابتزاز، وسوء الاستخدام.
-
تمكين الأهل بمعلومات عملية حول الرقابة الأبوية وتنظيم الاستخدام.
-
إنشاء وحدات مختصة في جرائم استغلال القاصرين رقمياً، تمتلك القدرة التقنية والقانونية والنفسية للتعامل مع الحالات.
بين السلطة ومسؤولية البناء
القراران يعكسان رغبة الدولة في الظهور كحارس للأخلاق والأمن المجتمعي في الفضاء الرقمي، وهو توجه قد يلقى قبولاً لدى شريحة واسعة، لكنه يظل خطوة جزئية إذا لم تُرافقه سياسات طويلة الأمد تبني القدرة لدى المجتمع والدولة على إدارة هذا الفضاء بدل الهروب منه.
فالخطر الحقيقي لا يكمن في لعبة بعينها، بل في منظومة كاملة من السلوكيات، والمهارات، والقوانين، والتعليم، والأدوات التقنية، وإذا بقي التعامل معها عبر المنع فقط، فإن الأطفال سيجدون دائماً طرقاً أخرى للوصول إلى ما يريدون، لكن من دون حماية، ودون وعي، ودون رقابة، وهو ما يجعل الحجب، بدل أن يكون درعاً، باباً لمخاطر أكبر.




